الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

124

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

في العلم ، ولكن في جميع الأحوال يبقى هو هو ، ولا يصبح إنسانا آخر ، وهكذا في تعامل الآخرين معه حيث يعتبره الآخرون شخصية واحدة منذ أول حياته وإلى آخر لحظة فيها باسم واحد وجنسية معينة . والآن لنرى ما هو هذا الكائن المتوغل في أعماقنا ؟ فهل هو ذرات وخلايا جسدنا ومجموعة الخلايا الدماغية وتأثيراتها ؟ إن كل هذه الأمور قد تغيرت على مدى عمرنا عدة مرات ، تقريبا في كل سبع سنوات مرة واحدة ، حيث نعرف أنه في كل يوم تموت ملايين الخلايا في جسدنا لتحل محلها ملايين أخرى جديدة ، ومثلها في ذلك مثل البناء الذي يتم إخراج الطابوق القديم منه ووضع طابوق جديد في مكانه فلو استمر التعمير في هذا البناء فإن البنية الأساسية لن تتغير ، ولكن يبقى البيت هو نفس ذاك البيت برغم أن الناس السطحيين لا يلتفتون لذلك . ومثل خلايا الجسم التي تموت وتحيا كمثل المسبح الكبير الذي يدخله الماء ببطء ويخرج من طرف آخر . طبيعي أن ماء هذا المسبح سيتغير بعد مدة بشكل كامل بالرغم من عدم التفات الناس إلى ذلك ، إذ يظنون أن ماء المسبح ما زال على حاله لم يتغير . وبشكل عام ، إن كل موجود يحصل على الطعام ومن جانب ثان يستهلك هذا الطعام ، فإنه في الواقع يتجدد ويتغير بالتدريج . لذا فإن إنسانا في السبعين من عمره لا يبعد أن يكون جسمه قد تغير عشر مرات ، وإذا كان الأمر كما يقول الماديون ، من أن الإنسان هو نفس جسمه وأجهزته الدماغية والعصبية وخواصه الفيزيائية والكيميائية ، ففي هذه الحالة يجب أن يكون ال‍ ( أنا ) قد تغير عشر مرات خلال هذه السنوات السبعين ! ولهذا يكون هذا الإنسان ليس الإنسان السابق ، إلا أن هذا الكلام لا يقبله أي وجدان . ومن هنا يتضح أن ثمة حقيقة واحدة ثابتة على طول العمر ، هي غير الأجزاء المادية ، هذه الحقيقة لا تتغير كالأجزاء المادية ، وهي أساس وجودنا وتتحكم في حياتنا وهي سبب وحدة شخصيتنا .